الجاحظ

231

العثمانية

ولكنه كان سائسا رفيقا ، فكره أن يقول بايعوني ، ليكونوا هم الذين يطلبون منه ذلك ويريدونه عليه ، ويظهرون حب تقديمه ، لتكون النفوس بطاعته أسمح ، وفيها أرغب ، ولمذهبه أحمد ، ولان ذلك عندهم أبعد من الاستبداد عليهم . والافتيات بالامر دونهم ، والحرص على التأمر عليهم . ولذلك مشى في الناس بعد بيعته ثلاثا يقول : هل من مستقيل فيقال ؟ وقد قال في خطبته بعد البيعة : وقد كانت بيعتي فلتة ، وخشيت الفتنة ، وأيم الله ما حرصت عليها يوما ولا ليلة ، ولا سألتها الله في سر ولا علانية ، ومالي فيها راحة . وقد قلدت أمرا عظيما مالي به طاقة ، ولوددت أن أقوى الناس عليها مكاني . ألا ترى زهده فيها ( 1 ) ، وقلة حرصه عليها ، وكيف يخبر أنه لو لم يخش الفتنة ما قبلها ، ولود أن أقوى الناس عليها مكانه ؟ ! وقوله " لوددت أن أقوى الناس عليها مكاني " يقول : وددت أنه لو كان في الناس من هو أقوى عليها منى . ليس ( 2 ) أنه يرى أن في الأرض يومئذ رجلا هو أقوى عليها منه . ومثل هذا في كلام العرب كثير . وقال الراجز ( 3 ) وذكر إبله فقال ، إذا كانت عليها مغارضها ( 4 ) :

--> ( 1 ) في الأصل : " ألا ترى في زهده فيها " . ( 2 ) في الأصل : " فليس " . ( 3 ) هو أبو محمد الفقعسي . اللسان ( غرض ) . ( 4 ) جمع مغرض ، كمجلس ، وأصله جانب البطن أسفل الأضلاع ، وهو ما يقع عليه الغرض وهو حزام الرحل . وقد عنى به الجاحظ الأغراض . ويبدو أن هذه العبارة مقحمة ، وموضعها بعد .